عروض بنده

23/07/2017

اللغة العربية.. بين الثراء والأصالة

تعليم اللغة العربية مجاناً
Share Button

اللغة العربية.. بين الثراء والأصالة

هناك إجماع يؤيده الواقع والأدلة على أن اللغة العربية هي أكثر لغات العالم ثراءً في عدد المفردات والمواد اللغوية وتنوع الأساليب البلاغية, واتساع صرفها ونحوها؛ حتى تخصص فيه علماء جهابذة. ورغم ذلك كان أبو عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة واللغويين المعروفين يقول: “ما وصل إليكم من كلام العرب إلا أقله, ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير”.

ومن المفارقات التي حدثت في تاريخ اللغة أن من نبغوا ومهروا في علم النحو والإعراب كانوا من العجم (سيبويهِ إمام نحاة البصرة كان فارسيًّا وغيره).. ولكنها حضارة الإسلام التي استوعبت العرب والعجم وصهرتهم في بوتقة واحدة.

نعود للثراء اللغوي ونجد الخليل بن أحمد الفراهيدي يحصي كلام العرب الذي وصله بقوله: “إن مفردات اللغة العربية بلغت زهاء اثنتي عشرة مليون كلمة”. وهو عدد خرافي لم تصل إليه لغة أخرى, فإذا أضفنا إلى كلامه كلام أبي عمرو بن العلاء المذكور سالفًا يتبين لنا أن اللغة العربية ربما كان عدد مفرداتها مئات الملايين, وليس ذلك بعجيب إذا درست الأمر؛ فإن الأسد وحده له أربعمائة وخمسون اسمًا والخمر والصحراء لها أسماء بالمئات والعشرات, وذلك أن العرب كانت قبائل, وكان لكل قبيلة صفات وأسماء ألهمتها وعلمها الله من فيضه, ثم إن قريشًا لما كانت حول البيت وكانت العرب تأتيها من كل أنحاء الجزيرة انتقت من كل لهجة أحسنها وأجودها, ثم نزل القرآن بها؛ فكأن القرآن جمع أجمل أساليب اللغة إعجازًا وأكرم ما فيها من المعاني والصفات والكلمات الدالة الدقيقة.

ولم يظهر ذلك الإعجاز جملة واحدة, وإنما تتابع بطول البحث والتقصي بدءًا من عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – وإلى وقتنا هذا الذي ظهر فيه الإعجاز العلمي للغة العربية ودقة التوصيف الكامل لكل شيء.. ولست مختصًّا في ذلك, ولكن يمكن الرجوع إلى العلماء في هذا الإطار.

إن نسقًا مذهلا تحدثه تراتبية مفردات وأصول وأصوات وجمل وموسيقى اللغة العربية عند التأليف أو الإنشاد أو الإلقاء, أو قبل ذلك قراءة القرآن, هذا يعضد المذهب القائل: “إنها لغة أهل الجنة والملائكة المقربين”.

وقد أفنى العلماء أعمارهم في الجمع والتقصي والتأليف والتقعيد والبحث, حتى استوى هذا البنيان قائمًا على أصوله لا يتزحزح, رغم انفراط عقد الأمة وتقاسم الأقطار والحدود وظهور اللهجات المحلية؛ فإن الفلاح الأمي يقرأ الفصحى ويعرفها, ويكره المتحذلقين والمتنطعين كما كان أجداده العرب في شبه الجزيرة يفعلون.. ولولا الحياء وانتشار التغريب والغزو الثقافي لكان لهذا العربي الأمي وأولاده داخل الأسرة وفي الشارع والجامعة شأن من الفصاحة يعتبر ولا يُستهان به.

داخل القرى وعلى ضفاف الأنهار وفي عمق الصحراء وعلى مشارف البحار والشواطئ تجد العربي ما زال قلبه ينبض بحب قوميته, ويحن لسانه إلى المجد اللغوي التليد, وكثيرًا ما تراه أو ترى غيره يترنم بأناشيد من الفصحى أو قصائد مغناة بها ويفهمها ويعقلها, وتجري على لسانه ولسان غيره من العرب مفردات لها جذور وأصول موجودة في المعاجم.. إنها صنعة الخالق وإلهامه وفطرته في هذه الأمة التي أخرجت الخليل بن أحمد الفراهيدي وابن منظور والفيروزآبادي والزَّبِيدي.

إشترك في قائمتنا البريدية







الكلمات الداله للمواضيع

Related Posts