27/03/2017

المعاجم في البحث والتاريخ

المعاجم العربية
Share Button

المعاجم في البحث والتاريخ

عرفت العربية منذ القديم بتعدد مواد الاشتقاق واتساع دائرة المعاني واللهجات, فكان الثراء اللغوي – الذي تحدثنا عنه في المقال السابق – نتيجة طبيعية لما أسلفناه, وتعددت منذ القديم وسائل حفظ المفردات العربية؛ فقد وُضعت بدءًا كتب صغيرة في غريب القرآن وغريب الحديث, ثم إن أول ما حفظت به المفردات هو الذاكرة الإنسانية التي وهبها الله لعلماء كبار مثل: الأصمعي الذي ورد عنه في تاريخ آداب العرب: “أنه كان يحفظ نصف اللغة وأشعارًا وآدابًا كثيرة, ولم يكن يباريه في ذلك أحد, حتى انتدب لتعليم الأمين والمأمون ولدي الخليفة هارون الرشيد اللغة والأدب. أما أكبر عالم أصيل يعتمد عليه, وكان له كثير الفضل على هذه الأمة والمتحدثين بها في القرن الثاني الهجري وبعده؛ فهو الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي كان آية في علوم العربية وموهبة رياضية كبرى, حتى إنه اكتشف موسيقى الشعر, وكان أول من قعد واستنبط علم العروض والقافية. وقد وضع الخليل أول معجم في العربية ولم يسبقه في ذلك أحد.. وكان معجم العين غريبًا في بابه وعجيبًا في تناوله؛ إذ إنه كان يعتمد على الترتيب الصوتي للأبواب والمفردات؛ فكان أول أبوابه حرف العين أو صوت العين, وكان يتكون من خمسة آلاف مادة, فسُمي معجم العين. ونظرًا لصعوبة البحث فيه, واحتياج الناس تدريجيًّا عامتهم وخاصتهم من طلبة العلم والنحاة والأدباء للبحث في غريب اللغة وتعلم التفسير والحديث؛ فقد وضع ابن منظور الأفريقي معجمه “لسان العرب” الذي توسع فيه وضع به مفردات كثيرة حتى وصلت مواده ثمانين ألفًا. ولكن الجديد أن ابن منظور وضع منهجًا سهلا للبحث في معجمه, يسعف طالب العالم أو العالم والأديب, وغيرهم للوصول إلى ما يحتاجون إليه سريعًا, وكان منهجه في وضع اللسان على طريقة الترتيب الألف بائي الذي وضعه نصر بن عاصم الليثي؛ فكان أول أبوابه الهمزة وآخرها الياء, وجعلت كل مادة تعود على أصل الكلمة بعد تخليصها من حروف الزيادة على طريقة الميزان الصرفي. وظل العمل عليه حتى جاء الفيروزآبادي ليضع مدرسة ثالثة ومنهجًا آخر في المعاجم؛ فوضع معجمه القاموس المحيط ليضم فيه ستين ألف مادة, ولكنه ابتكر طريقة القافية؛ إذ جعل البحث عن الحرف الأخير من المادة هو المتبع, وذلك يعني أن كلمة (نبأ) ستبحث عنها في باب الهمزة, وكلمة (وصل) في باب اللام.. وهكذا, وهي طريقة القافية, والقافية – كما هي معلوم – تقع في آخر البيت الشعري بما في ذلك الروي الذي يلزم تكراره وحركته في أبيات القصيدة العربية على النسق الجاهلي. (القافية عند العروضيين هي: الساكنان اللذان في آخر البيت الشعري مع ما بينهما من المتحركات مع المتحرك الذي قبل الساكن الأول). ثم ازدهرت الدراسات اللغوية كثيرًا بعد تعدد المراكز الثقافية الإسلامية في أقطار العرب والعجم؛ فوضع الزَّبِيدي معجمه تاج العروس ليضيف إلى مدرسة القافية معجمًا آخر, لكنه أغزر في المادة اللغوية وأوسع من القاموس المحيط, وقد عاش الزبيدي في القرن الثالث عشر الهجري. وتلقفت مصر راية العروبة والإسلام وأنشئ المجمع اللغوي المصري الذي صدر عنه المعجم الوجيز والوسيط والكبير, وكلها تعود إلى مدرسة ابن منظور الأفريقي في منهج الوضع والبحث والاستنباط, وكان لكل من بغداد ودمشق – حرسهما الله – ومجمعيهما أثر واضح وملموس في نماء وتطور الفصحى المعاصرة ومعاجمها؛ فلا ينكر فضل هذه العواصم الثلاثة الكبرى إلا جاحد.

جميع الحقوق محفوظة لجامعة المنح للتعليم الإلكتروني.

إشترك في قائمتنا البريدية







الكلمات الداله للمواضيع

Related Posts