30/05/2017

السخرية من نفسك

السخرية من نفسك ؟

السخرية من نفسك ،هذه ليست مزحة، هل جربت يوماً أن تسخر من نفسك؟ هذا ليس مقرفًا ولا مقززًا، انظر حولك.. الناس غالبًا ما يسخرون من غيرهم، يعتبرونهم مخطئين في بعض التصورات والتصرفات، ولكنهم ينسون في لهيب الضحك أنهم يسخرون جديًّا من أنفسهم، ولكن الإنسان في غالب أطواره لا يرى عيوب نفسه، فيتصور نفسه أفضل من غيره، ولكنه في الحقيقة قد يكون أسوأ حالًا.
لكوني أعتبر نفسي عاقلًا، فسوف أقدم على خطوة لا يستطيع الإقدام عليها إلا القليلون، لقد قررت أن أسخر من نفسي، طبعًا هذا ليس حدثا كونيًّا، ولكنه مثير؛ وأنا أتصور وقد اشتد بك الشوق إلى تفاصيل السخرية الخاصة بي.
ألا تخجل من نفسك؟! أنا أتعب نفسي في كتابة هذه الكلمات لك، وتنتظر أن تضحك مني؟ وعلى العموم سوف ألبِّي لك رغبتك الدفينة في السخرية مني, وإخراج كوامن النقص التي تعتريك وتعتريني، رائعة هي السخرية، كم هذا يسبب الغيظ لي..
أنت..أنصت، ها أنا ألقي إليك أسراري الشخصية عن ذاتي التي لم يعرفها أحد، وبالمقابل تأملها جيدًا، ولا تعتبرني بعدها أسخر منك..اتفقنا؟
أولًا: أنا أحب التشفي في الناس، أنتظر دائمًا سقوط أعدائي، وحسادي، وعلية القوم الذين يتمتعون بالثروة والنفوذ، أنا لا أحب رجال الأعمال اللذين يصلون ويتسلقون إلى القمة كالقرود، هل تعرف القرود؟ إنها لا توجد في الغابات فقط، بل تعيش بيننا.
تصور أن رجلًا كامل الرجولة، ويلبس بذلة فاخرة، ويقود سيارة من أرقى الموديلات، ويتناول طعامه في مطاعم لا تعترف بوجود الفقراء في هذا العالم.. كيف أحبه؟ دعني أصارحك بشيء.. أنا لست اشتراكيًّا ولكني حقود وحسود, ولساني طويل مثل السوط.
أنا أعيش رغما عني –وأجبر على مجاورة رجال في ثياب أطفال، ولعل بعض تلاميذ المدارس الابتدائية يتمتعون بذكاء أخطر منهم، ولكنهم فطريون، وأولئك الرجال الصغار متعجرفون وكارهون لي..
دعني أخبرك سرًّا أخيرًا.. أنا أعامل نفسي على أني مجنون، وأحيانًا يسخر الآخرون مني لأجل ذلك، حين يتوقف أحدهم وهو يقود سيارة فارهة، وينظر إلي أتصور أنني قيد الاعتقال، لا يهم شكله, هل يمكن أن يكون رجل أمن أم أن نظارته السوداء تعكس ميولًا غير أخلاقية؟ هل أنا مجنون؟ طبعًا مجنون.. من الممكن أن يكون الشخص ذاته يريد مجرد استعراض كونه يركب سيارة تافهة.. كم هم تافهون أولئك الأثرياء.. وكم أنا حاسد وشديد الحقد.. أفِّ ..أفِّ مني.
أخيرًا أنا أمر عبر سفراتي القليلة إلى المدن؛ حيث إنني من محبي القرى والمسطحات الخضراء- أرى سيارات فارهة متحطمة، قد قتل من فيها غالبًا، جراء سرعة زائدة، أنا أعرف أن ذلك متعلق بإرادة الله، نعم أن يموت الناس فذلك إرادة الله، أمَّا أن يكونوا مغرورين تافهين فذلك عائد إليهم.. وأنا أتحمل فقط مسؤولية التشفي .. كم أنا شديد البأس! فتصوراتي دائما- تنطلق من كوني أكره الرجال المتسلقين، إنهم ينقلون حديقة الحيوان إلى الطرقات والشوارع والأبنية الفخمة، أعتقد أن السيد جورج أورويل كان محقًّا بعض الشيء، ولكنني أتساءل دائمًا عن نواياه: هل كانت نقية وطيبة؟! هذا يضيف إلى أسراري شيئًا جديدًا- إنه القادم..

ثانيا: أنا ظالم.. أحب تعقب نوايا الناس، وأكرههم حين يتذمرون من ذلك، أليس من حقي أن أفتش في نوايا الناس؟! لقد كان بوسع أحدهم أن يجلس على كرسي ذات يوم، ويستغيث الكرسي من سمنته المفرطة، ليدقق ويحقق ويشكك في نوايا الكتاب اللذين يكتبون خيالات ومكائد ومؤامرات لا يقرؤها إلا المجانين أمثالي، لقد كرهت ذاك الشخص المفرط السمنة ردحًا من الوقت، وكنت ظالمًا، يا ظالم … تكره من يسهر ويدقق ويحقق ليحافظ على الأمن والنظام العام, ينبغي على المسؤولين أن يرفعوا أمري إلى جهات عليا, أو يستغيثوا بأبناء الوطن الشرفاء ضدِّي، هذا مقلق, لقد ظلمت رجلًا كان يعمل جاهدًا – رغم سمنته المفرطة – في التحقيق والتدقيق ضد أولئك الحمقى والمثقفين, والكتاب اللذين يكتبون ضد مصلحتي أنا الشخصية.
لقد كنت ظالمًا؛ إذ أحببت امرأة ذات يوم، امرأة ككل النساء، ولكن إقدامي على هذه الخطوة أمر محزن وكئيب، كابوس هو الظلم، ويجعلنا نظلم النساء اللذين نحبهم ونطلب منهم الزواج، أو حين يرفضون الارتباط بنا لحجج واقعية وواضحة، وهي أننا لا نملك تذاكر السينما، ولا ميوعة المخنثين, ولا حتى أكاذيب المتسلقين والنصابين… أنا رجل ظالم..

ثالثًا: أنا نهم جدا للطعام، عانيت من النحافة في الوقت نفسه، ومع ذلك لم يكن طعامي يكلف الكثير.. فطعامي في شهر يكلف أقل بكثير من وجبة غداء واحدة لإعلامي, يتحدث ليلًا ونهارًا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وزواج المثليِّين.
رابعًا: هذه مزحة، ولكنها ترتبط بأسراري الشخصية بشكل أو بآخر، أنا لا أحب المشاركة في الانتخابات، فعندما يجاملني أحد المرشحين قبل الانتخابات مباشرة أشعر بضرورة التخلي عنه.. ألست نذلًا وحقيرًا؟ ما ذنبه ذلك السياسي والمناضل كي يكلف نفسه عناء مجاملتي قبل الانتخابات مباشرة! هذا وقت حساس ومؤثر.
لا يهم بعد الانتخابات أن يختفي ذلك الرجل ولا أراه, حتى تأتي الانتخابات مرة أخرى ويجاملني قبلها مباشرة, هذا الرجل يتعب ويتملق ويحني جبهته, ثم يتكلف مرة أخرى عناء الفرار من أمامي, أنا والآخرين الذين أعطوه كارت الدخول إلى قلاع الديمقراطية.

خامسًا: أنا أرتاح للحرية, وأحن إليها, وهذا أمر يجعلني أعاني؛ فأضطر للكتابة عن أسراري الشخصية كي يقرأها الناس, ويصفوني بأوصاف متناقضة.
أرجوك لا تكن منهم.. تحسس ماضيك.. كن على حذر.. إن كنت تعرفني, أو قابلتني, أو لمحتك ذات مرة في حافلة ركاب أو تاكسي أو سيارة ليموزين أو داخل طائرة, أو حتى ارتطمت بي في الشارع معتذرًا, سوف أكتب عنك, وسوف ترى نفسك متربعًا, أو واقفًا, أو مقيدًا داخل أسطر مقالاتي وقصصي, أو اعتبر نفسك محظوظًا..
على العموم لا فرق, سوف تسخر مني في المرة القادمة حين تلمحني كطيف مرَّ بخيالك.. بشكل يختلف عن سخريتك السابقة مني ومن الآخرين.

لا تنسى الاشتراك في القائمة البريدية كي تظل مستمتعاً بما نقدمه على جامعة المنح .

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

الكلمات الداله للمواضيع

Related Posts